الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
95
مختصر الامثل
قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 161 ) قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ( 162 ) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ( 163 ) هذه الآية والآيات الاخر التي سنقرؤها فيما بعد والتي ختمت بها سورة الأنعام ، تعتبر خلاصة الأبحاث المطروحة في هذه السورة التي بدأت وانتهت بمكافحة الشرك والوثنية ، وتركّزت أحاديثها على توضيح هذا الأمر . ففي البداية أمرت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بأن يقول في مواجهة معتقدات المشركين والوثنيين ومزاعمهم الجوفاء والعارية عن المنطق السليم : « قُلْ إِنَّنِى هَدَينِى رَبّى إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ » . أي طريق التوحيد ، ورفض كل أشكال الشرك والوثنية . ذكر كلمة « قل » في هذه الآيات وأمثالها في نص القرآن ، إنّما هو لحفظ أصالة القرآن ، وللدلالة على أنّ ما يأتي بعدها هو عين الكلمات التي أوحيت إلى رسول اللَّه . ثم إنّه تعالى يوضّح « الصراط المستقيم » في هذه الآية والآيتين اللاحقتين . فهو يقول أوّلًا : إنّه الدين المستقيم الذي هو في نهاية الصحة والاستقامة ، وهو الأبدي الخالد القائم المتكفل لُامور الدين والدنيا والجسد والروح : « دِينًا قِيَمًا » . وحيث إنّ العرب كانوا يكنّون لإبراهيم عليه السلام محبة خاصة ، بل كانوا يصفون عقيدتهم ودينهم بأنّه دين إبراهيم ، فهذا هو الذي أدعو أنا إليه لا ما تزعمونه : « مّلَّةَ إِبْرهِيمَ » . إبراهيم عليه السلام الذي أعرض عن العقائد الخرافية التي كانت سائدة في عصره وبيئته ، وأقبل على التوحيد « حَنِيفًا » . و « الحنيف » : يعني الشخص أو الشيء الذي يميل إلى جهة ما ، وأمّا في المصطلح القرآني فيطلق هذا الوصف على من يعرض عن عقيدة عصره الباطلة ويولّي وجهه نحو الدين الحق والعقيدة الحقة . وكأنّ هذا التعبير جواب وردّ على مقالة المشركين الذين كانوا يعيبون على رسول اللَّه صلى الله عليه وآله مخالفته للعقيدة الوثنية التي كانت دين أسلافهم من العرب ، فقال النبي في معرض الردّ على مقالتهم هذه ، بأنّ نقض السنن الجاهلية والإعراض عن العقائد الخرافية السائدة في البيئة ليس هو من فعلي فقط ، بل كان إبراهيم - الذي نحترمه جميعاً - كذلك أيضاً .